أخبار عاجلة
الرئيسية » هي …..عمقا بنتُ عكَّا…..!
11-copy

هي …..عمقا بنتُ عكَّا…..!

هي …..عمقا بنتُ عكَّا…..!
بقلم الأديب والشاعر الفلسطيني الأستاذ مروان محمَّد الخطيب
11-copy
 
 
“بينَ بُرقوقِ دير عمار في طرابلس، وصَبَّارِ عمقا في عكَّا، آصرةٌ من قرآن، وحرفٍ، وشام”. – أصيل العكَّاوي-
*****
 
و عادَ أيَّارُ …..،
فسحةً مفتوحة ً على ليلكةٍ مُرتَجَّةٍ بالضَّياع ،
كأنَّهُ شهرُ الأحاجي ،
زمانُ الدُّخولِ في أبجديَّةِ القُرَّاص ،
و عتبة ُ القفزِ إلى سورياليَّةِ العشقِ الدَّائخِ في فِخاخِ المَكر ،
و في تلاوينِ الحِرباوات …! .
عادَ أيَّارُ مُزَنَّراً بنكبتين ،
و بولادةٍ تُشبهُ سيرة َالأرجوانِ الهائمِ في قلبِ ضفدعةٍ ،
فقدتْ مناعتَها و هي تعيشُ صحبة َ اللَّولبيَّاتِ ،
و خسرتْ ماءَها و عراءَها ،
لأنَّها لمْ ترفعْ نقيقَها إلى السَّماءِ ،
حينَ تَطاولَ الذيفانُ على الرَّيحان …!.
و عادَ أيَّارُ بأحمالِهِ و أوجاعِهِ ،
فنبتتْ زهرة ُ الطِّينِ على كتفِ صبيَّةٍ ،
لها حُروفُ ” ليلى ” ، ودمعةُ “روعة” ، و قلبُ ” مريم ” ،
و لها ولعٌ أسطوريٌّ بقصصِ الوفاءِ ،
و بملاحمِ الصُّعودِ إلى عَهدِ الأنبياء …؛
و لها قافية ُ معلَّقةٍ ستولدُ على الأعرافِ ،
أو في جَنَّةِ الرَّحمن ،
بينَ النَّدى المِشْفافِ ،
و السِّدرةِ التي لمَ تنسَ العقيقَ و الأخضرَ ،
و لمَ تنسَ الزقزقاتِ الغائماتِ في سيراييفو ،
و القمحَ الذبيحَ في القدسِ و النَّهر البارد …!.
و عادَ أيَّارُ….. ،
و لمْ يعدْ أمامَكَ إلَّا هي ،
و ذاكرةُ بلقيس حمصا ،
و قبرُ أمِّكَ الذي دمَّروهُ هُناك …؛
فارجِعْ إلى سِفرِ الآباءِ و الأجداد ،
لمْ يَعُدْ أمامَكَ سوى الوقوفِ للقول :
أحنُّ إليها قُبلَة ً و فجراً ،
تغاريدَ حُبٍّ و بدراً ،
و ذاكرة ً مسكونة ً بضمَّةِ الأحلامِ ،
بشذى الإلهامِ ،
بودقِ الهُيامِ ؛
و أحنُّ إليها ذاكرة ً أخرى ، للتِّينِ و الزيتونِ و الحنُّون ،
و مَهْوىً للنَّدى الرَّقراقِ في فمِ الأصباحِ و أكمامِ الأوراد…..!.
…، هي ” عمقا ” أرضُ الأجداد ،
و معراجُ الأحفاد ،
و الشَّوقُ المجدولُ بهوى الياسمين ؛
و هي القافية ُ المشحونة ُ بأقوى الحركات ،
و بالأنفاسِ المسكونةِ بانتظارِ ليلةِ القدر ،
تلتمعُ ناصيتُها عندَ شجرةِ ” المَلَّة ” ،
حيث ُ كانَ الأهلونَ يقيمونَ الأعراسَ ، و حفلاتِ أفراحهم…؛
أحنُّ إليها فوقَ حنيني إلى حبيبتي الأولى ، التي لمْ أرَهَا منذ مذبحةِ تل الزعتر ،
و تركتُها غيمة ً فوقَ ” النَّيرب ” ،
و بَرَكَة ً تُشاركُ العذراءَ حُروفَ اسمها ، و صمتَهَا اللازورديَّ ،
و فكرة َ الصُّعودِ إلى ملحمةِ النَّخيل…..!.
… ” عمقا ” .. مسقطُ رأسيِّ أمِّي و أبي ،
و صحوة ُ دمي ،
و هيمانُ الصَّدرِ المُفَخَّخِ بنشوى السَّكبِ المُعَتَّقِ في دِنانِ الآخرة ،
و في مسرى نبضي إلى حُبٍّ ذبيحٍ ، كانَ لي وحدي ،
ثمَّ صرتُهُ مدىً مرقوماً بالأزرقِ و الذوبانِ المقدَّسِ في وجعِ الدَّمِ و الذاكرة…..!.
…، ” عمقا ” .. ، مسقطُ رأسيِّ جَدِّي و جَدَّتي ،
و مركزُ المكانِ إلى الشمالِ الشَّرقيِّ من ” عكَّا ” بثمانيةِ كيلو مترات ، حيثُ يزغردُ جِوارُها بالأخضرِ المُطلِّ على البحرِ و الفيروزِ ،
و على الحنايا المحروزةِ برغدِ الصَّنوبرِ ، و برجعِ آياتِ اللهِ في صُدورِ الصِّغارِ و الكِبار…!.
…، إنْ نظرتَ إليها خارطة ً ، تَمْنَحْكَ طمأنينة َ الهديلِ ،
كأنَّها يمامة ٌ ، و ضَوْعٌ زَنبقيٌّ قسماتُهُ نورانيَّة ٌ ؛ و جوريَّاتٌ قائماتٌ كالصَّلاةِ ، في جِوارٍ سُلافيٍّ ، فيه قُرىً من رؤى اليواقيتِ ، و هنَّ كالصَّبايا الحوالمِ بضُحى الفراديسِ ؛ أو كالأشاوسِ الصَّناديدِ ، القائمينَ على حراسةِ الانتصارِ و اليقين !.
…، ” عمقا ” ..، و عن شمالها و جنوبها و شرقها و غربها تقرأ : الشيخ داوود ، كفر ياسيف ، كويكات ، الغابسيَّة ، يركا ، و أبو سنان ، …و لا تنسى في شمالها الأعلى ملحمة َ الكابري…، و في الصُّعودِ القريبِ قلعة َ جِدّين ، و من بعدُ أدبَ غسان كنفاني …!.
…، و إنْ خطرَ في بالكَ طَعمُ أرضِها ، فلكَ أنْ تتذكَّرَ مذاقَ التِّينِ و التُّوت ، و نكهة َ الزَّيتونِ و سحرَ الصَّبار …، و لكَ ألَّا تنسى حُضورَ القمحِ في مساحاتها ، و كذا الذرة ، و العدس ، و الشَّعير و البطيخ…!.
…، و لكَ فوقَ هذا و ذاكَ ، أنْ تسرحَ معَ القلوبِ و الزُّنود ، و معَ الصَّوافنِ و الصَّهيلِ ، فتتذكَّر أبناءَها الأبرارَ و هم يقاومونَ المُستَعمرَ الإنكليزيَّ ، و تتذكَّر ” مَنْ غادرَ حفلَ زفافهِ معَ المجاهدينَ ذاتَ ظهيرةٍ معجونةٍ برحيقِ فلسطين من عام ال 39
قائلاً لأمِّهِ : فليستمرِّ الحفلُ ، أمَّا أنا فأتزوجُ حينَ آتي مُنْجِزَاً مَهمَّتي الجهاديَّة ! ” ، ذاكَ الفتى إبراهيم عبد الرحمن الخطيب ؛
و لا تنسَ مُجايليهِ و أقرانَهُ ، و مَنْ ساروا على الدَّربِ ، فكانوا ناراً على صُدورِ الصَّهاينةِ السَّالبين ، و أملاً في قلوبِ و راحاتِ الآتينَ بعدهم كي يُكملوا المِشوارَ و المسيرة َ ، ثابتينَ على عهدِ الوفاءِ للهِ ، و الولاءِ له ؛ و قائمينَ بفكرِهم و أياديهم ، حتَّى الرَّمقِ الأخيرِ ، و حتَّى يعودَ الحقُّ إلى ذويه…!.
…هيَ ” عمقا ” ..بنتُ ” عكَّا ” ….. حروفُ نشيد ،
شُتولُ حَنْجِرةٍ تُقاوِمُ الأصفادَ و لوعة َ الهبيد ،
و حِنطة ُ كبرياء يُسافرُ إليها الغمامُ و الحمام ،
و تَغبطُها النُّجومُ لقُربتها من صلاحِ الدِّينِ الأيوبيِّ …! ؛
…، هيَ حُلمٌ بلا ضِفاف ، و من دونِ حُدود ،
فوقَ تُرابها كانَ أبي ( رحمَهُ اللهُ ) يُنصتُ جيِّداً لمواويلِِ الغُروبِ و هو عائدٌ من بيَّارةِ جَدِّي إلى سنابلِ الأحلامِ و مخدعِ الأماني ،
و كانَ في المسافةِ الممتدَّةِ بينها و بينَ ” كفر ياسيف ” ، يقرأ سورتيِّ ” المُلك ” و ” الفجر ” ؛ و يلتقي بصبيةِ الجوارِ في صفوفِ الدَّرسِ التي تخرَّجَ معهُ فيها ” محمود درويش ” ، و سواهُ من رياحينِ عكَّا ، التي يحلو لأبنائها أنْ ينادوها : ” سيِّدتنا ، هازمة نابليون بونابرت ” …!.
…، هي ” عمقا ” ..؛ كأنَّها أماميَ الآن ،
بل كأنِّي أقومُ في مسجدِها ذي الطرازِ العُثمانيِّ ، مؤدِّياً فريضة َ صلاةِ الجُمعةِ ، و مصغياً إلى إمامها و خطيبها جَدِّي الثاني لأمِّي الحاج سعيد الخطيب …،
و كأنِّي أسمعُهُ يتلو على مسامعنا آياتِ الجِهادِ من كتابِ اللهِ الكريم ، و يدعو إلى قتالِ يهود المُغْتَصِبين ، و إخراجِهم من أرضِ الإسراءِ و المِعراج…!.
…، هُناكَ كانتْ لنا حِكاياتٌ و أشجارٌ شوامخُ ‘
و أرائكُ مُوشَّاة ٌ بالمَرجانِ و الكهرمانِ …..؛
و كانتْ لنا ذاكرة ٌ خامسة ٌ كلونِ حبيبتي ليلى ،
أخبرتني عنها جَدَّتي ” أمُّ كامل ” حيثُ قالتْ :
يا ولدي …..! ،
كانْ جدُّكَ و عمُّكَ يأتيانِ طرابلسَ الشَّام لشراءِ السِّلاح …،
فتذكَّرْ أنَّنا قاتلنا و قاومنا ، و لمْ نبخلْ على أرضنا …! ،
تذكَّرْ أنَّنا واجهنا نارَ يهود الغزيرة ، بنارنا المتواضعةِ و بصدورنا ؛
لكنَّها خياناتُ زعماءِ و حُكَّامِ العربِ ،
هي التي أخرجتنا من أرضنا و ديارنا المحاصرةِ و المرشوقةِ باللَّهبِ ،
على أملِ العودةِ الظَّافرةِ بعدَ أسبوع …؛
و أصبحَ الأسبوعُ شُهوراً ،
ثمَّ استطالَ سنواتٍ و سنوات ،
و غدونا لاجئينَ ، و أصبحَ ليهود دولة ٌ في فلسطين ،
…، يا ولدي …! ،
خياناتُ رؤساءِ و ملوكِ و أمراءِ العرب ،
أورثتنا الضَّياعَ …، بعثرتْنا هُنا و هناكَ و هُنالك ،
صارَ المنفى ثَوبنا ،
و غُصَّتَنا و قصَّتَنا ،
كانَ لنا أرضٌ و بُرقوقٌ ،
و ماءٌ سلسبيل ،
و فسحة ٌ من مُخملٍ و ليلكٍ و أخضرَ و ديباج ،
ثمَّ صرنا بلا نخيل ،
و ماتَ من حولنا السِّنديانُ و الزيزفون…..!.
…، هُناكَ في أرضٍ تُسمَّى فلسطين ،
كانَ لنا رئتانِ وصدرٌ نقيٌّ ،
و كانَ لنا قلبٌ مُعَلَّقٌ بالثريَّا ،
و جدائلُ عشقٍ تُشبهُ عناقيدَ الأكاسيا …،
…..، كانتْ ” مريمُ ” في دمِ أمِّها ،
و كنتُ أنا في وجعِ أبي ،
…، و تآمرَ الأعرابُ مع الفرنجةِ و يهود ،
فأقلَّ قطارُ المَنكوبين أباها إلى ” النَّيرب ” ،
أمَّا أبي ،
فشاءتِ الأقدارُ أنْ ينتهيَ بهِ المطافُ إلى ” النهر البارد ” ،
الذي أعادهُ الأعرابُ ثانية ً و خامسة ً إلى ذاكرةِ بُروتسِ و الرُّكام…..!.
 
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عيسى قراقع

بيان صادر عن الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال الصهيوني حول إقالة الوزير عيسى قراقع.

بيان صادر عن الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي ...