أخبار عاجلة
الرئيسية » شَهرزادُ واللَّيلة التَّاسعة عشرة بعد الألف
الشاعر مروان الخطيب

شَهرزادُ واللَّيلة التَّاسعة عشرة بعد الألف

شَهرزادُ واللَّيلة التَّاسعة عشرة بعد الألف
بقلم الأديب والشاعر الأستاذ مروان مُحمَّد الخطيب

لمْ تَكُنْ هذه اللَّيلةُ كَسِواها من ليالي شَهرزادَ معَ شَهريارِها، بل إنَّها حَمَلَتْ في وجهِ السَّيدةِ الأولى المُلْهَمةِ، ما لمْ يَكُنْ حاضراً وشاخِصاً من ذي قبل في سحنتِهِ البَهِيَّةِ الوضيئة، وفي تعابيرِهِ المُنيرةِ والمُضيئة! . وَجهٌ مَسْكونٌ بالوَجَعِ، مُسَرْبلٌ بالقَتامِ، مُشَحَّبٌ بآلآمِ أُمَّةٍ، يزيدُ تعدادُها على المليارِ ونصفِ المليارِ من النَّوابِضِ المَسْكُونَةِ بِمُكَوِّناتِ الآدميين. وجهٌ مُعَتَّقٌ بسيرةٍ مِنَ الأحزانِ والأصفادِ والقُيُود، ومُجَنْزَرٌ بآمادِ الخَيبةِ والانقسامِ والتَّشرذمِ والحُدود، ومفتُوحٌ على مدىً مَكْسُوٍّ بما يُشبِهُ الضَّياعَ والخَيبةَ والخُلاع…!.

…، لمْ تنتظرْ شهرزادُ سيِّدَها حتَّى يتكلَّمَ أو يسألَ، بل بادرتْهُ بالقولِ:

سيِّدي ومولاي، يا إمامَ الأُمَّةِ والقائدَ الأعلى لِجُيوشِها، يا شَهريارَ البلادِ والعِباد…!.

اليومَ أعلنَ رئيسُ الولاياتِ المُتَّحدةِ الأمريكيَّةِ “رونالد جون ترمب” اعترافَهُ بالقدسِ عاصمةً ل ” إسرائيل”، وتركَ ركلتَهُ مُدوِّيةً على أدبارِ الحاكمينَ أجمعينَ في بلادِ العَربِ والمُسلمين، ونالَنا من ذلكَ أذىً كبير، وتحقيرٌ كثير، وجَعَلَنا نسترجِعُ ما قالَهُ الشَّاعرُ “عمر أبو ريشة” منذُ حوالي سبعينَ سنة:

“أُمَّتي! كم غُصَّةٍ داميةٍ

خَنَقَتْ نَجوى عُلاكِ في فَمي

أيُّ جُرحٍ في إبائي راعف

فاتَهُ الآسي، فلمْ يلتئمِ

ألإسرائيلَ تعلو رايةٌ

في حِمَى المَهدِ وظلِّ الحَرَمِ!

كيفَ أغضيتِ على الذُّلِ ولمْ

تنفُضي عنكِ غُبارَ التُّهَمِ “.

…، أُنظرْ – سيِّدي- وَجَعَ أبي ريشة، الذي هوَ وجعُ الأُمَّةِ جمعاء، وانظرْ رؤاهُ البليغةَ العميقة، ونداءَهُ الذي يُعَبِّرُ فيه عن آلآمِ أُمَّتِنا بجميعِ أفرادِها وناسِها؛ وانظرْ في المَقامِ نفسِهِ إلى موقِعِنا بينَ الأُمم، وإلى ما نالَنا من الوَصَبِ والنَّصب، وإلى ما حاقَ بنا من الوَجَعِ والألم؛ وانظرْ سؤالَ الشَّاعرِ وأهليه: كيفَ لنا أنْ نغضَّ طرفَنا عن هذا الذُّلِ السَّاحق، وعن هذا العارِ الماحق؛ وهل من سبيلٍ لإعادةِ عَقاربِ السَّاعةِ إلى وُجهَتِها الصَّحيحة…؟!.

…، تغرورقُ عينا شهريارِ بالأسى والعَبَرات، ويقولُ بِصوتٍ لا يخلو من بُحَّةٍ تُعانقُ الآهات: أكملي، وأسمِعيني من قولِ هذا الشَّاعرِ المُتَبَصِّرِ، الذي يعيشُ كُنْهَ المُثَقَّفِ الحقيقيِّ، ودورَهُ المُحاسبَ للحاكم، والذي نأى بنفسِهِ عن أنْ يكونَ من جوقةِ المُطبِّلينَ والمُزمِّرين، ومن ناشدي الكسبَ بالتَّزلُّفِ المقيتِ، وبالنِّفاقِ النَّذيلِ العَفِين…!.

تردُّ شَهرزادُ: لا حَرمَنا اللهُ تعالى سَعَةَ صدرِكَ مولانَا النبيلَ والأصيل، ولا حَرَمَكَ نعمةَ الانصياعِ للحقِّ، وجعلَكَ حارساً أميناً لدينِهِ وأَوامِرِهِ ونَواهيه، وسيِّداً شامِخَ الهامةِ بينَ النَّاسِ والعِباد!. ثُمَّ تُتابعُ استظهارَ ما قالَ أبو ريشة :

” أَوَمَا كُنْتِ إذا البَغيُ اعتدى

موجَةً مِنْ لَهَبٍ أو من دمِ

فيمَ أَقدَمتِ؟ وأحجَمْتِ ولمْ

يَشْتَفِ الثأرُ وَلَمْ تَنْتَقِمي

إسمَعِي نَوْحَ الحَزانى واطربِي

وانظري دَمْعَ اليتامى وابسمي

ودعي القادةَ في أهوائها

تتفانى في خَسيسِ المَغْنَمِ!”.

…، أوَلا ترى – مولايَ وقائدي – كيفَ يَرسمُ شاعرُنا عُمَر أبو ريشة حالَنا التي بلغناها بِدِقَّةٍ مُتناهيةِ الإبداعِ في الرَّسمِ والتَّصوير، وكأنَّهُ يعيشُ مَعنا الآنَ ما نعيشُهُ من ذُلٍّ ومرارةٍ واستخذاء…؟!. ثُمَّ ألا توافقني الرأي بأنَّ الشَّاعرَ المُفكِّرَ يُمكنُ لقصيدِهِ أنْ يُتْرَعَ بالرُّؤى، وأن يَحملَ في مدلولِ حُروفِهِ المُمَوسَةِ تصويراً لما سيأتي، وذلكَ استشرافٌ قائمٌ على الوعي والتَّدَبُّرِ السِّياسِيين، اللَّذينِ يمنحانِ صاحِبَهما مجالاً رحيباً للتَّفكيرِ السِّياسيِّ، ولقراءةِ الآتي من الأيامِ بناءً على مخزونِهِ الفِكريِّ الواعي، ولقراءتِهِ التَّاريخَ سِجِلَّاً لأحداثٍ سياسيَّةٍ مَضتْ، ويُمكنُ أنْ يكونَ لها اتصالٌ عُضويٌّ بالحاضرِ الجاري…!. ثُمَّ انظرْ – سيِّدي الحصيف – تلكَ المُقابلةَ التي يُقارنُ فيها أبو ريشة بينَ ماضي الأُمَّة العزيز التَّليد، وبينَ حاضرِها الوضيعِ الأليم…، أفلا يحملُ ذلكَ على بُكاءِ هذه الأمَّة؛ بل ألا يحملنا على استنهاضِها والسَّيرِ بها ومعَها إلى مراقي العِزَّةِ والمجدِ والانتصار…؟!.

ثُمَّ تُتابعُ شهرزادُ الحكيمةُ الشُّجاعةُ ما جاءَ في قصيدِ أبي ريشة الرُّؤيويِّ الفَذِّ:

” رُبَّ “وآمعتصماهُ ” انطَلَقَتْ

ملءَ أفواهِ البَناتِ اليُتَّمِ

لامَسَتْ أسماعَهُم لكنَّها

لمْ تُلامسْ نخوةَ المُعْتَصِمِ!

أُمَّتي! كمْ صَنَمٍ مَجَّدْتِهِ

لمْ يَكُنْ يحملُ طُهْرَ الصَّنَمِ!

لا يُلامُ الذِّئبُ في عُدْوانِهِ

إنْ يَكُ الرَّاعي عَدوَّ الغَنَمِ!

فاحبِسِي الشَّكوى فلولاكِ لَمَا

كانَ في الحُكمِ عَبيدُ الدِّرْهَمِ!”.

آهٍ يا شَهرزادُ…، لقدْ ذَبَحتِ قلبي، وأعدتِ النُّورَ إلى رُوعي وجَناني…؛ لكأنِّي غائبٌ عنْ هذه الدُّنيا، أو نائمٌ في وادٍ غيرِ ذي زرع، والآنَ أيقظتِني إلى ما يجبُ أنْ أكونَ فيهِ وعليه…!.

قالَها شهريارُ، ومن دونِ أنْ يُلقيَ نظرةَ عتابٍ أو عبارةَ لومٍ إلى شهرزادِه…؛ بل إنَّ فحوى كلامِه ينبضُ بشكرِهِ لها، على ما نبَّهتْ إليهِ، عَبْرَ ما اختارتْ وانتقتْ من أشعارٍ تلقيها على مسمعِ سيِّدها وقائدِ البلاد والعِباد…!.

ثُمَّ عادَ وقال: ألا يُمكنني أنْ أكونَ رديفَ المُعتصم بالله بن هارون الرَّشيد، فأسعى في أُمَّتِنا بسعي يقابلُ شيئاً من سعيهِ في عَمُّوريَّة المروءةِ والعِزَّةِ والانتصار…؟!. ألا أقف مُلبِّياً نداءَ خالقِ الأرضِ والسَّماء القائل في مُحكمِ التَّنزيلِ الكريم: ” …، وأَخْرِجُوهُم مِنْ حيثُ أخرجُوكم”،…، ألا أتمثَّل قولَهُ تعالى: ” إنَّما ينهاكُمُ اللهُ عنِ الذينَ قاتَلوكُم في الدِّينِ وأخرجُوكُم مِنْ دِيارِكُمْ وظاهَرُوا على إخراجِكم أنْ تَوَلَّوْهُم وَمَنْ يَتَولَّهُمْ فأولئكَ هُمُ الظَّالمون”. ثُمَّ تراني نسيتُ قولَهُ جلَّ وعلا: ” قاتِلُوهمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بأيديكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عليهم ويَشْفِ صُدورَ قومٍ مؤمنين”. ثُمَّ هلَ نسيتُ قولَهُ الحكيمَ المُدوِّيَ بينَ الأرضِ والسَّماء، والسَّاكنَ في عقيدتِنا كما يسكنُ في حاجاتِنا الهواءُ والماء:” يا أيُّها الذينَ آمنوا إنْ تُطيعُوا فريقاً من الذينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بعدَ إيمانِكُمْ كافرين”…؟!.

…، وماذا عساني يا شَهرزادُ أقول للحبيبِ المصطفى النَّبيِّ الرسول، مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ وهل أستطيعُ أنْ أُبْرىءَ ذِمَّتي وهو القائلُ عليه أفضلُ الصلاة وأتمُّ التَّسليم، في الحديثِ الذي أخرجَهُ الإمامُ أحمد في مٌسْنَدِهِ: عن جابرٍ بنِ عبدِ الله أنَّ النَّبيَّ “ص” قالَ لِكَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ : أعاذَكَ اللهُ من إمارةِ السُّفَهاء، قال: وما إمارةُ السُّفهاءِ ؟. قال: أمراءُ يكونونَ بعدي، لا يقتدونَ بِهَديي ولا يستَنُّونَ بِسُنَّتي، فَمَنْ صَدَّقَهم بِكَذِبِهم وأعانَهُم على ظُلْمِهِم، فأولئكَ ليسوا مِنِّي ولستُ منهُم، ولا يَرِدُوا عَلَيَّ حَوضي، وَمَنْ لمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، ولمْ يُعِنْهُم على ظُلْمِهِمْ فأولئكَ مِنِّي وأنا منهُم، وسَيَرِدُونَ عليَّ حَوضي”.

…، ثمَّ تنهَّد السَّيِّدُ الأوَّلُ، والقائدُ الأشوسُ، شهريارُ زمانِهِ وبلادِه، ثُمَّ قال: إعلمِي يا سيِّدتي وحكيمتي وحليلتي، بأنَّني أمامَ قرارٍ مصيريٍّ وحاسم، سأُجريهِ مجرى الدَّمِ في عُروقي وعُروقِ أبناءِ أُمَّتِنا الخالدة، وسأُخزي بِهِ الشَّيطانَ الرَّجيم، وأُلقي به في وجهِ “ترامب” اللَّعين، عدداً من الحُصَيَّاتِ، كتلكَ التي رجمنا بها العقبةَ الكُبرى، يومَ أدَّينا معاً فريضةَ الحجِّ إلى بيتِهِ الحرام منذ سبعةِ أعوام…!.

…، أستميحُكِ عُذراً، شهرزادي الحبيبةَ، وسأقومُ إلى مجلسِ وزيريَّ ومُعاوِنَيْ…!.

…، وهُناكَ لبسَ شهريارُ لأْمَةَ الحَرْبِ وقالَ في مجلسِ مُعاوِنَيْه وقادةِ أركانِ جُيوشِه:

” إنَّ اللهَ تعالى يأمرُنا بالخير والمَعْروف، وليسَ لنا أمامَ نداءِ اللهِ العليِّ العظيمِ أنْ نتراخى، وليسَ لنا أنْ نؤجِّلَ ما فيهِ خيرُنا وخيرُ بلادنا، خيرُ دُنيانا وآخرتِنا، فَعسى أنْ نلقاهُ وهو راضٍ عنَّا، وعسى أنْ نُطَهِّرَ البلادَ والعِبادَ من رجسِ يهود المُحتلِّين، ونُعيد للقِبْلةِ الأولى ومَسرى الرَّسولِ الأمين عليه أفضلُ الصَّلاةِ والتَّسليم، ما أعادَهُ إليها أميرُنا الفاروقُ عمرُ بنُ الخَطَّاب رضيَ اللهُ تعالى عنه، وسُلطانُنا المِغوارُ صلاحُ الدِّين الأيوبيُّ، فنعيد بذلكَ للدِّينِ سيرتَهُ الأولى، وَسِيَرَ فُتُوحِهِ ونشرِهِ عدلاً بينَ النَّاس أجمعين، ونعيد لأُمَّتِنا كرامتَها التي استُبيحَتْ منذُ مئة سنة؛ ونكون بذلكَ من أهلِ اليمين، بإذن الله ربِّ العالمين…!.

…، ولْيَكْتُبْ كاتِبُنا…:

” من عبدِ اللهِ شهريارَ بنِ عبدِ الله، إلى عبدِ اللَّاتِ والدُّولار دوناد بنِ جون ترامب.

سنأتي فلسطينَ مُحرِّرينَ، ومُنتَصرينَ بإذن اللهِ الجَبَّارِ ربِّ العالمين، وسنُوحِّدُ بلادَ المُسلمينَ، على الكتابِ المُبين…، ثُمَّ لنأتينَّكم في عُقرِ داركم، فانتظرونا نحنُ المُسلمينَ الفاتحين…!”…!.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عيسى قراقع

بيان صادر عن الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال الصهيوني حول إقالة الوزير عيسى قراقع.

بيان صادر عن الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي ...