الرئيسية » الشعر والنثر » غربةٌ و رمضان…..؛
روعة عبد الله الشلبي

غربةٌ و رمضان…..؛

غربةٌ و رمضان…..؛
بقلم الكاتبة الأستاذة روعة عبد الله الشلبي

” قُل لأهل الذُّنوبِ والآثام
قابلوا بالمتابِ شهر الصيام
إنَّهُ في الشهور شهرٌ جليلٌ 
واجبٌ حقّه وكيد الزمام
وأقلّوا الكلام فيه نهاراً
واقطعوا ليله بطول القيام
واطلبوا العفو من إلهٍ عظيمٍ
ليس يخفى عليه فعلُ الأنام”
– ابن الجوزي –
******
وقفت بين السَّماءِ والأرض أنتظر انبلاجَ الفجر بصبرٍ جميل، فجرِ أول يومٍ من أفضل الشهورإلى الله تعالى، شهر تشكيل الذات، والعبادات التي هي تعبيدٌ للطَّريقِ إلى الهدف لقولهِ تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإِنْسَ إلاَّ لِيَعْبدونِ ). إنه من بركات خالق الأكوان، ومن عطاءاته التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، شهرٌ للرِّفدِ والخير، وللخروج من كآبات الضيق إلى متَّسعاتِ الأنوار. إنهشهر الرحمة و المغفرة والعتق من النّار.
سرحتُ معه إلى مآلِ أمَّتنا الإسلامية، وكيف أصبح هذا المقدَّس الروحانيّ، شهر موائدٍ عامرةٍ بألذّ الأطايب، وأطول السَّهرات…!.
نُسِيَ أنَّه للطاعة وكبح وإلجامِ غرائز الإنسان، وصَونِهِ، وتعويده الصَّبر وقوة الإرادة.
هِمْتُ في تحاليقي البعيدة هناك مع عائلتي نلتفُّ حول مائدة الإفطار، ننتظر الأذان بشوقِ الصحراء الظمئةِ للماء!.
بيدَ أنَّ آخر رمضان قبل النزوح، كنّا نفطر على أصوات القذائفِ والانفجارات…؛
أتذكر كيف كان وجهي يتناغم بأحلى الابتسامات، ويشرق لساني بأروعِ الكلمات في محاولةٍ مجديةٍ لتهدئةِ عطش الأولاد و جوعهم.!.
وكان رمضان ينشرُ عبقهُ كما الزهور تصوغ عطرها، وكما الربيع يكسو الدنيا اخضراراً يُغني النفوس بالأمل.
وها أنت الآن يا شهر الخير تأتيني في غربتي وحيدةً، وجيعةً، لا أهل ولا ولد ولا خِلاَّن، بل دمعٌ وحسرات وضياع…!. …، وأنت يا شهر الخيرات والأمان والآمال تأتي،
تشقُّ طريقك بصعوبةٍ في هذه الأيام والسنوات العجاف، وتنثر روحانيتكَ على من أصبح اللجوء لهم هوية…!.
تنهض بهم من بين غابات آلامهم الكثيفة، وتزرع ما يشبه الأمل.
تدخلُ زوبعة أفكارهم لتقتلع اليأس والقنوط، تقنعهم بأنَّ القانون السَّماوي الشفيف لابد أن يسود، تحلق بهم في رحلةِ ضوءٍ وتنسيهم ألمَ رغيف الخبر، وجرعةَ الماء!.
ثمَّ تعلو وتسمو وترتقي وإياهم حيث النّور الحقيقي الذي لا يَأْفُل، والفجر الذي لن يغيب، تجلو عنهم الصدأ، وتقول لهم: اصبروا وصابروا فإنَّ موسم الحصاد بات قاب قوسين أوأدنى…؛ وإن لم تحصدوا فإنَّ 
بذوركم ستنوب عنكم وتصير ثماراً، أو حتى سماداً للموسم اللاحق…!.

 

روعة عبد الله الشلبي

x

‎قد يُعجبك أيضاً

198AF90E-C119-4632-AC00-13102BE6FAF3

مديح الظل العالي

مديح الظل العالي من رائعة الشاعر محمود درويش حتى تتوب ...